مسلسل افراح القبة.. عمٌل كامل الأوصاف

أراجيك

يصعب أن تطلق على مسلسل درامي عمل كامل الأوصاف، فستجد خلل على الأغلب في إحدى جوانبه، لكن مسلسل افراح القبة أستطاع أن يصنع هذا المستحيل.

عمل متكامل من جميع النواحي، سواء النص أو الإخراج أو التمثيل، أو الموسيقي التصويرية والأزياء، وستجد نفسك منجذباً له من أول نظرة، وتشعر إنك عدت مرة أخرى للستينات، لتعاصر أهل المسرح الذين عاشوا الحياة بكل عنفوانها، وتلقوا في المقابل الجراح والضربات دون أن يركعوا.

مسلسل افراح القبة والرواية

مسلسل افراح القبة المقتبس عن رواية لنجيب محفوظ

يجب في البداية أن أقدم شكري للمخرج محمد ياسين، والكاتب محمد أمين راضي، اللذان رأيا في رواية نجيب محفوظ –المتوسطة من وجهة نظري- عمل يستحق التحويل إلى عمل درامي.

قبل أن أشاهد مسلسل افراح القبة فضلت قراءة الرواية، واستعجبت كيف يستطيع مؤلف تحويل تلك الصغيرة التي لم تصل عدد صفحاتها إلى مئتان إلى ثلاثون حلقة على الأقل، خصيصاً وإنها من النوع المتعدد الرواة، وبالتالي تتكرر الأحداث عدة مرات على مر الصفحات.

ولكن في الحقيقية كان للمسؤولين عن العمل القدرة على إعادة خلق الرواية، وإعطاء الشخصيات المسطحة في بعض النواحي أبعاد حقيقية، وصنع شبكة من العلاقات قد تكون غامضة في عمل محفوظ، أو حتى لم تخطر في باله، لذلك أقولها بكل صراحة تفوق المسلسل على الرواية بكل الصور.

تدور أحداث المسلسل والرواية في كواليس واحدة من الفرق المسرحية بفترة الستينات، حيث تتحضر الفرقة لتقديم مسرحية أفراح القبة للكاتب الشاب عباس كرم، والتي يتضح بعد قليل إنها مقتبسة من الحياة الحقيقية للممثلين، حيث تقدم تاريخهم، خطاياهم، وذلك في الفترة التي دخلت بها الممثلة الكومبارس تحية عبده إلى حياتهم، والتي أحدثت ثورة في حياتهم وتركت في قلب كل منهم ندبة لا تُنسي سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

الموسيقى

اخترت أن أتكلم في البداية عن الموسيقى لأنها أول ما يجتذب المشاهد في المسلسل، حيث ستسحرك موسيقى البداية، وتنسيك أن التترات تخلو من أسماء الممثلين، وتشعر إنك دخلت مكان سحري ذو قواعد خاصة.

وتظل تلك القواعد تنطبق على الموسيقى التصويرية طوال الحلقات بدون أخطاء، فلا نجد موسيقى تعلو على الحوار، أو مقطوعة راقصة مع مشهد حزين، بل استطاع هشام نزيه تقديم مقطوعات تجمع بين النشوى والحزن، تستطيع أن تحتل مكان الكلمات ببراعة.

وهذا ليس غريباً عن نزيه الذي قدم سابقاً علامات موسيقية في مسلسلات هيبتا والعهد والسبع وصايا وأسوار القمر.

الديكور

عامل الإبهار الثاني كان الديكور وأيضاً بدأ ذلك من التترات، حيث ظهرت ديكورات المسرح وكواليسه، أنيقة، متناقضة، في إضاءة خافتة، تشي بالأحداث التي جرت في الحجرات الخلفية وتفوقت في مأسويتها على ما يُعرض على خشبة المسرح.

ويصبح الديكور في الحلقات نفسها عامل أساسي وضع المشاهد في الحالة الخاصة بالمسلسل، ما بين ديكورات المسرح التي تشي بالبذخ، وتلك الأنيقة البسيطة في شقة تحية، والفقيرة في شقة بدرية وحليمة والفوضوية في غرفة طارق رمضان.

الملابس

معزوفة مرئية أخرى من تصميم مونيا فتح الباب، والتي درست الحقبة الزمنية التي تدور بها أحداث المسلسل، وصنعت من القماش والأكسسوارت آلة زمن ، وذلك لا ينطبق على ملابس النساء فقط، بل الرجال كذلك، ويظهر ذلك واضحاً في ملابس طارق رمضان وأشرف بشندي.

مسلسل افراح القبة - طاقم الممثلين

السيناريو

يصرّ مسلسل افراح القبة على أن يثبت إنه حالة خاصة بكل السبل، وذلك وقد تناوب على كتابة حلقاته كل من محمد أمين راضي، ونشوى زايد.

حيث حالت بعض الاختلافات بين الكاتب الأول والمخرج محمد ياسين دون إكماله لحلقات المسلسل، وتم تسليم العمل بعد ذلك إلى الكاتبة نشوى زايد، وحتى الآن لم تظهر فروقات واضحة بين أسلوب الكتاب، ربما لأن أغلب الحلقات التي تم عرضها كانت من تأليف محمد أمين راضي.

وتجارب راضي الدرامية السابقة أهلته بجدارة بأن يحمل مسئولية تحويل الرواية الصعبة إلى مسلسل متميز، ووضع عليه بصمته واضحة، ليستشعر المشاهد المخضرم لأعمال راضي السابقة “نيران صديقة” و”السبع وصايا” و”العهد” بأنه ولج ذات العالم الغامض، الذي لا نخاف فيه الوحوش أو القتلة، بل الإنسان الطبيعي الذي قد يقترف ما يخجل منه القاتل أو المجرم.

الإخراج

من يتتبع المسار الفني الذي أنتهجه المخرج محمد ياسين يجد فيه عاملين مهمين، الأول الجرأة، والثاني الثبات للأمام، فقد تنقل من عمل لآخر، من نجاح لنجاح، وعلى عكس من العديد من المخرجين الذين يبدأون بالعمل في الدراما التلفزيونية ثم ينتقلون إلى الشاشة الكبيرة، قام ياسين بالعكس، فأول أعماله كانت في السينما.

وفي مسلسل افراح القبة أثبت محمد ياسين إنه المايسترو المسيطر المتحكم في كل الخيوط الخاصة بعمله، وصنع سيمفونية فنية متكاملة تُعرض بصورة يومية على الشاشة فتسلب اللب.

التمثيل

تركت التمثيل للنهاية، لأنه بالفعل المفاجأة الحقيقية للعمل، الذي اكتشفت معه وجود العديد من المواهب الفنية العربية الموجودة منذ زمن طويل لكن كانت مختفية، سواء لأنها كانت تنضج ببطء أو بانتظار الدور المناسب لتفجير هذه المواهب.

  • منى زكي

مسلسل افراح القبة - منى زكي

نبدأ ب “منى زكي” التي ظلت طويلاً تؤدي دور البنت الجميلة الضعيفة مهيضة الجناح، وهو دور أهلّها له ملامحها الرقيقة وتكوينها الجسدي الصغير، ولكنها بدأت حملة بالتمرد عليه منذ مسلسل آسيا الذي قدمته عام 2013، ولكن دور “تحية عبده” سيظل دوماً منيراً في مسيرتها الفنية.

خلعت منى زكي في هذا الدور كل العباءات التي وُضعت بها سابقاً، وأثبتت إنها قادرة على التمثيل دون حتى الحديث، ملامحها وعيونها واستخدامها الرائع للغة جسدها كلها وُضعت تحت سيطرة تحية، المرأة الشابة، التي عاشت في ظل عائلة بائسة ذات ماضي مشين، تحاول التمرد لتكون مختلفة، لكن تجد جذورها تشدها مرة أخرى لتقع في الأرض ثم تقفز لتبدأ من جديد، لهذا الدور اضطرت منى زكي أن تستخدم أسلحة أنوثتها، ترقص وتغني وتضحك، لنكتشف وجه جديد لها.

  • إياد نصار

مسلسل افراح القبة - إياد نصار

في المركز الثاني يأتي إياد نصار، الممثل الأردني المتُقن للهجة المصرية، هذا الدور ليس الرائع الأول في مسيرة نصار، لكن من أعظم أدواره بالفعل، استطاع أن يتقمص شخصية “طارق رمضان” حتى النخاع، يقدمها بوجوهها المختلفة، هو طارق المحب العاشق، وهو ايضاً طارق النذل الأناني الغيور، طارق الذي يحاول أن يُخفي إحباطاته وأحلامه الضائعة بضحكة كبيرة، لكن يهزمه الحب ويجعله يبكي كالأطفال.

  • صبري فواز

مسلسل افراح القبة - صبري فواز

في المركز الثالث صبري فواز، الذي قدم العديد من الأدوار الصغيرة في مسيرته الفنية الطويلة، بعضها قد تسقط من الذاكرة، لكن أغلبها لا يستطيع المُشاهد نسيانها مهما كانت بسيطة، مثل دور الضابط الفاسد في “نيران صديقة”، والأخ الهارب من جريمة في “السبع وصايا” وضوي في “العهد”.

وفي أفراح القبة تفوق فواز على نفسه، فإنه لا يحتاج لسيناريو ولا كلمات ليظهر أفكار ومشاعر شخصية الملقن “كرم يونس”، نظرات عيونه وملامح وجه كافية تماماً، ولا تستطيع إلا أن تفتن بهذه الشخصية الذي يقدمها، وهي المزيج العبقري من الضغينة والضعف الإنساني.

  • صابرين

مسلسل افراح القبة - صابرين

الممثلة المصرية “صابرين” ليست بحاجة لتقديم لمسيرتها الفنية الطويلة، فقد بدأت التمثيل منذ طفولتها، وقدمت أدوار هامة في أقوى الأعمال الدرامية المصرية، وقد ابتعدت عن الساحة الفنية لبعض الوقت قبل أن تعود مرة أخرى بأدوار متألقة أذكر منها على وجه الخصوص الغجرية في “وادي الملوك”.

وتعود مرة أخرى صابرين لجمهورها في أفراح القبة بدور “حليمة الكبش” وهو دور معقد يقدم شخصية في ثلاث مراحل عمرية مختلفة، أبدعت الممثلة في تقديمها واستطاعت أن تطوع ملامحها وموهبتها لتبدع في إظهار حليمة المقهورة، التي رغبت في تحدي الدنيا بتحويل ابنها الوحيد لملاك، لكن ينقلب هذا الملاك عليها ليظلمها كما لم يفعل شخص أخر.

  • سوسن بدر

مسلسل افراح القبة - سوسن بدر

أيضاً سوسن بدر من ممثلات الصف الثاني اللواتي يتمتعن بموهبة كبيرة، تم حصرها في أشكال محددة من الأدوار، لكن تمردت عليها في السنوات القصيرة الماضية، ودور “بدرية” سيصبح بالتأكيد علامة جديدة بمسيرتها، وهي الأم ذات الماضي المريب، التي تسيطر على بناتها الثلاثة، وتدفعهن للعمل في وظائف مشبوهة، وتدمر مستقبلهن الواحدة تلو الأخرى.

  • سلوى عثمان

مسلسل افراح القبة - سلوى عثمان

لا يمكن أن أنهي الحديث عن أفضل الأدوار في المسلسل دون أن أذكر سلوى عثمان التي أدت دور العشيقة العجوز أم هاني أو عفاف، واستطاعت أن تبعد الشخصية عن الابتذال أو الكليشهات المصاحبة لهذا الدور، لتظهر وجه أخر للمرأة الكبيرة في السن التي تعشق رجل يصغرها، واقع في حب فتاة جميلة، وعندما تغيب الفتاة عن الصورة لا تشعر بالفرحة بل الخوف ليقينها بمكانتها المهتزة لديه.

وغير ذلك أبدع الممثلون في تقديم الأدوار كلها بطريقة يصعب وصفها في مقال واحد، وعلى رأسهم صبا مبارك وجمال سليمان ودينا الشربيني.


برومو مسلسل افراح القبة

في النهاية مسلسل افراح القبة خلال الحلقات الخمسة عشر التي تم عرضها أثبت إنه على الأغلب الجواد الرابح في السباق الرمضاني لعام 2016، وإن لم تشاهده بعد عزيزي القارئ فأيقن أن الكثير من المتعة تفوتك.

أراجيك

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله