مسلسل ذات.. أفضل مسلسل جسّد المرأة المصرية في الطبقة المتوسطة

أراجيك

في زخم المسلسلات الرمضانية المعتاد، هناك مسلسلات تستوقفنا منذ الحلقة الأولى بل منذ مشاهدة تتر البداية… ومسلسل ذات (أو بنت اسمها ذات) هو واحد من تلك الأعمال الدرامية القليلة التي قد تظل عالقة في ذهنك إلى الأبد!

بوستر مسلسل ذات

المسلسل الذي عرض في رمضان 2013، يسرد التطورات المتلاحقة للمجتمع المصري منذ ثورة 1952 من خلال فتاة مصرية تدعى ذات نرى من خلالها انعكاسات تلك التغييرات المجتمعية على حياتها، المسلسل مأخوذ عن رواية الكاتب صنع الله إبراهيم، و قامت بمعالجته الكاتبة مريم نعوم واشترك في إخراجه كلاً من المخرجة كاملة أبو ذكري و المخرج خيري بشارة.

ولكن ما الذي يميز “ذات” عن غيرها من الفتيات؟

مسلسل ذات - نيللي كريم التي لعبت شخصية "ذات"

في الحقيقة… لا يوجد شيء يميز ذات سوى أنها تقليدية للغاية، يمكن أن تراها في آلاف الفتيات المصريات في الطبقة المتوسطة التي كادت أن تختفي في المسلسلات المصرية الأخيرة، تلك المسلسلات التي حصرتنا بين طبقة فاحشة الثراء وأخرى مدقعة الفقر وهمشت دور الطبقة المتوسطة للغاية رغم أنها رمانة الميزان كما يفضل علماء الاجتماع تسميتها.

هذا العمل الذي أبدع القائمون عليه في إخراجه بهذا الشكل المتكامل، ربما يعد – من وجهة نظري –  بمثابة أصدق تأريخ للطبقة المتوسطة في مصر بعد مسلسل ليالي الحلمية الذي يعد ملحمة تاريخية مجتمعية لمصر منذ عهد الملك فاروق وحتى مطلع التسعينيات.

ذات هي فتاة مصرية تقليدية تزوجت رجل تقليدي لتعيش قصة زواج تقليدية شاهدناها مئات المرات ولكن التحولات الاجتماعية عصفت بتلك الأسرة الصغيرة لتتحول من شابة جميلة إلى ربة أسرة ممزقة بين متطلبات المعيشة والدخل الشهري الضئيل ثم إلي امرأة مسؤولة عن تربية بناتها بمفردها بعد سفر زوجها إلى الخليج ومن ثم مساندة زوجها بعد عودته من السفر وخسارة أمواله في أحد شركات توظيف الأموال.

وهناك عدة عوامل ساهمت في نجاح هذا العمل بجانب المعالجة الدرامية العبقرية للرواية والإخراج الرائع الذي تولاه مخرجان دون أن نشعر  بانفصال حلقاتهما دفعت المشاهد لمتابعته طوال الثلاثين حلقة بل وربما إعادة مشاهدته مراراً و تكراراً.

أولاً: التوحد مع الشخصيات والنوستالجي

مسلسل ذات - الممثلة نيللي كريم

من منا لم يشعر بأنه يشاهد جزء من حياته يتم تمثيله على شاشة التليفزيون؟ إلى أي مدى استطاع المسلسل نقل حياة أمهاتنا بكل دقة وسلاسة؟ كيف تذكرت كل تلك التفاصيل الصغيرة الآن وكيف كانت من وجهة نظر أبويك؟

مسلسل ذات أثار عاصفة من المشاعر بين أجيال السبعينيات و الثمانينيات بل وربما أوائل التسعينيات أيضاً الذين شاهدوا طفولتهم في أبناء ذات فأعاد لهم المسلسل مذاق الماضي الجميل ما بين فوازير نيللي وشريهان و شرائط الكاسيت وعصر دخول الفيديو ….إلخ، تلك الحقبة التي لم تكن التكنولوجيا متغلغلة في حياتنا كما هي الآن.

هذا المسلسل الذي جمع بين نوستالجيا الأمهات و الأبناء معاً، لتشاهد الأمهات رحلة كفاحهن للتوفيق بين الطفل والزوج والمنزل والعمل، تلك الرحلة التي اعتدنا عليها حتى باتت أمراً عادياً مُطالب من المرأة!

ثانياً: اختيار الممثلين

مسلسل ذات - ثراء جبيل وباسم سمرة

كان اختيار الممثلين بمثابة مخاطرة كبيرة أصابت هدفها، فهذا العمل يعد انطلاقة استثنائية لموهبة نيللي كريم التمثيلية، فمن يتوقع أن تلك الممثلة الحسناء -من أصول روسية- قد تتحول إلي امرأة مصرية تقليدية حتى النخاع!

أما باسم سمرة الذي اعتدنا مشاهدته في أدوار فتى الحي الشعبي الفقير تحول إلى عبد المجيد -زوج ذات- هذا الرجل قليل الطموح كثير الكلام الذي تحول من شاب متراخي إلى رجل هزمته الدنيا  وأحنت ظهره بعد حرب الخليج المعروفة.

دعونا نتحدث أيضاً عن دور الأم الذي قامت به انتصار، التي استطاعت تجسّيد دور الأم في مراحلها العمرية المختلفة وصولا للشيخوخة بتلك البراعة.

أما بدرية طلبة في دور رئيسة ذات في العمل فأكاد أجزم أنني شاهدت شخصية تلك الموظفة بكل حذافيرها في الواقع بنسبة 99،9%!

قامت ناهد السباعي في دور مديحة وهشام إسماعيل في دور وجدي الشنقيطي، وأيضاً رباب ممتاز في دور مدام سهير… وكانوا أكثر من رائعين.

كما أن العمل ضم مجموعة من الوجوه الجديدة التي سرعان ما انطلقت في عالم التمثيل بعد ذلك.

ثالثاً: الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة

ستلاحظ منذ تتر البداية – الذي تصاحبه موسيقى تامر كروان الملهمة- الاهتمام بأدق التفاصيل من ناحية اللقطات الأرشيفية والتسجيلية لأهم الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري في تلك الفترات، كما بذل المخرجان أقصى جهدهما في الاهتمام بتفاصيل الديكور و الأزياء و الإكسسوارات و تسريحات الشعر  الرائجة في كل فترة زمنية مثل باروكة ميرفت أمين و ظهور السيراميك بدلا من البلاط التقليدي و أيضاً من منا ينسى موضة الموكيت وورق الحائط؟ ماذا عن إعلانات التلفزيون الشهيرة؟

كل تلك التفاصيل الصغيرة تنم عن دقة و مثابرة القائمين على العمل لإخراج عملٍ راقٍ ينضم إلى قائمة المسلسلات الرمضانية الخالدة في تاريخ الدراما المصرية.

رابعاً: الرمزية

مسلسل ذات - باسم سمرة ونيللي كريم

مسلسل ذات مفعم بالرمزية، فذات نفسها ترمز إلى المجتمع المصري بمعتقداته المتباينة وتحولاته الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية منذ ثورة 1952، كما أننا لا يمكن أن ننسى مشهد الحلم الخاص بتكسير الحمام الشهير، فهاني عادل -عزيز- يمثل الشاب الثوري اليساري الذي يؤمن بحريات العمال بينما يمثل عبد المجيد فترة الانفتاح في عهد السادات، أما هشام إسماعيل – وجدي الشنقيطي- فيمثل حقبة الفساد والمحسوبية في فترة الثمانينات.

أيضا العلاقة الزوجية المضطربة بين ذات وزوجها التي ترجع بشكل أساسي لخضوعها لختان الإناث و هو الأمر الذي نشاهده منذ بداية زواجهما مما دفع ذات إلى رفض تكرار  تلك التجربة الأليمة مع بناتها رغم إصرار الجدة “انتصار”.

هجرة أخيها إلى أمريكا  يمثل حلم الهجرة إلى بلد الحريات… إلى الحلم الأمريكي  الذي سرعان ما تحطم بعد موته في حادث 11 سبتمبر الإرهابي الشهير بعد فترة وجيزة من عودته ناجياً من حادث التفجير الذي قام به احد الإرهابيين خلال سفره في رحلة سياحية إلى الأقصر وأسوان… وكأن الكاتبة تريد أن تهمس إلينا بأن الإرهاب ليس حكراً على البلاد العربية… ولكنه قد يطال الجميع حول العالم!

عصام أخو صديقتها صفية زوجة عزيز الذي تحول من بائع نظارات شمسية إلى رجل أعمال كبير يعمل لديه عبد المجيد -زوج ذات- يظهر التحول المجتمعي السريع الذي ساعد الانفتاح الاقتصادي على وجوده.

ويوجد في مسلسل ذات العديد من النماذج التي عكست تلك التغييرات الضخمة في بنية المجتمع المصري ذكرت بعضها بالأعلى ولكن مازال هناك المزيد والمزيد… فمشهد النهاية في حد ذاته يرمز إلى تحرر “ذات” من قيودها المجتمعية للسير في مظاهرة و الهتاف من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية في ثورة 25 يناير.

شاهد تتر البداية في مسلسل ذات

أراجيك

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله